وهبة الزحيلي

7

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

التفسير والبيان : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي ولا تحاججوا ، ولا تناقشوا اليهود والنصارى إلا بالطريقة الحسنة وبالأسلوب الهادىء اللطيف ، إلا الذين ظلموا أنفسهم ، وحادوا عن سبيل الحق ، وعموا عن واضح الحجة ، وعاندوا وكابروا ، ولم ينفع معهم أسلوب المنطق والإقناع العقلي ، فهؤلاء يعاملون بالمثل ، ويرد على عدوانهم ومكابرتهم بطريقتهم نفسها ، فيقاتلون ويردعون بالحرب ، وهؤلاء - كما قال مجاهد وسعيد بن جبير - هم الذين نصبوا للمؤمنين الحرب ، فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وهذا هو العلاج الحاسم كما قال الشاعر : ووضع الندى في موضع السيف للعلا * مضرّ كوضع السيف في موضع الندى أما القسم الأول من الآية ، فقال قتادة وآخرون : هذه الآية منسوخة بآية السيف ولم يبق معهم مجادلة ، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف . واحتجوا بأن الآية مكية . والحق كما قال مجاهد وآخرون أن هذه الآية باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم - من أهل الكتاب - في الدين ، فيجادل بالتي هي أحسن ، ويدعى إلى اللّه عز وجل وحده لا شريك له ، وينبه على حججه وآياته ، رجاء إجابته إلى الإيمان ، بغير إغلاظ ولا مخاشنة ، كما قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . [ النحل 16 / 125 ] وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه 20 / 44 ] . واختار هذا القول ابن جرير الطبري . وأما القسم الثاني من الآية فلا خوف في محاربته لعدوانه ، فيقاتل بما يمنعه ويردعه ، قال اللّه عز وجل : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ، وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحديد : 57 / 25 ] .